نصر بن محمد السمرقندي الحنفي

282

تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )

فقابلته بالإخلاص ، فقلت بأي آية أتقوى عليه فوجدت قول اللّه تعالى فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً يعني مخلصا فكسرته بها . والثامن نظرت فإذا هو يأتي من باب البخل فقابلته بفناء ما في أيدي الخلق وبقاء ما عند اللّه تعالى ، فقلت بأي آية أتقوى عليه فوجدت قول اللّه تعالى ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ فكسرته بها . والتاسع نظرت فإذا هو يأتي من باب الكبر فقابلته بالتواضع ، فقلت بأيّ آية أتقوى عليه فوجدت قول اللّه عز وجل إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ فكسرته بها . والعاشر نظرت فإذا هو يأتي من باب الطمع فقابلته بالإياس من الناس والثقة بما عند اللّه ، فقلت بأي آية أتقوى عليه فوجدت قول اللّه تعالى وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ . وذكر في الخبر أن إبليس لعنه اللّه جاء إلى موسى عليه الصلاة والسّلام وهو يناجي ربه ، فقال له ملك من الملائكة ويحك ما ترجو منه على هذه الحالة ؟ فقال أرجو منه ما رجوت من أبيه آدم وهو في الجنة : ويقال إذا حضر وقت الصلاة أمر إبليس جنوده بأن يتفرقوا ويأتوا الناس ويشغلوهم عن صلاتهم ، فيجيء الشيطان إلى من أراد الصلاة فيشغله ليؤخرها عن وقتها فإن لم يقدر فإنه يأمره بأن لا يتم ركوعها وسجودها وقراءتها وتسبيحها ودعواتها ، فإن لم يستطع فإنه يشغل قلبه بأشغال الدنيا ، فإن لم يقدر على شيء من ذلك أمر إبليس بأن يوثق هذا الشيطان ويقذف به في البحر ، فإن كان يقدر على شيء من ذلك فإنه يكرمه ويبجله . وقال اللّه عز وجل حكاية عن إبليس لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ يعني على طريق الإسلام ولأرصدنهم ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ يعني من أمر الآخرة حتى أجعلهم في الشك وَمِنْ خَلْفِهِمْ * لأزينن لهم الدنيا حتى يطمئنوا إليها وَعَنْ أَيْمانِهِمْ يعني آتيهم من جهة الدين والطاعة وَعَنْ شَمائِلِهِمْ يعني من جهة المعاصي وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ يعني على نعمك . وقال في آية أخرى يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ وقال في آية أخرى الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وقال في آية أخرى إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا فقد بين اللّه تعالى أن الشيطان عدوّ لبني آدم ويريد ضلالتهم ليجرّهم مع نفسه إلى النار ، فالواجب على العاقل أن يجتهد في مجاهدته لكي يخلص نفسه منه فإنه عدوّ ظاهر للمؤمنين ، وللمؤمن أيضا أعداء سوى الشيطان كما روى أنس بن مالك رضي اللّه تعالى عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « المؤمن بين خمس شدائد : مؤمن يحسده ومنافق يبغضه وعدوّ يقاتله وشيطان يضله ونفس تغويه » يعني أن النفس مائلة إلى ما هو سبب ضلالته وإغوائه ، فينبغي للمسلم أن يستعين باللّه تعالى ليقوّيه على أعدائه ويوفقه لما يحب ويرضى فإن هذا كله يسير على من يسره اللّه تعالى عليه ، وروى صالح بإسناده عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم قال : بينما موسى جالس في بعض مجالسه إذ جاءه إبليس وعليه برنس متلون : يعني قلنسوة ذات ألوان ، فلما دنا منه خلع البرنس فوضعه ثم أقبل فسلم عليه ، فقال من أنت ؟ قال أنا إبليس . قال فما جاء بك ؟ قال جئت لأسلم عليك لمكانك من اللّه عز وجل . قال فما